أدلة جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لا لعذر (من القرآن الكريم وأصح مصادر أهل السنة)
أدلة جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لا لعذر (من القرآن الكريم وأصح مصادر أهل السنة)
أدلة جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لا لعذر (من القرآن الكريم وأصح مصادر أهل السنة)
في كل حين، تُثار مسألة الجمع بين الصلاتين (الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء) كمادة للتشنيع على مذهب أهل البيت (عليهم السلام). والمتأمل في هذا الخلاف يجد أن الإمامية متفقون على جواز الجمع في الحضر من غير عذر (كالمرض، أو المطر، أو السفر)، تخفيفاً على الأمة وبناءً على أحاديث صحيحة عن أئمة الهدى.
إلا أن المفاجأة الكبرى تكمن في أن القرآن الكريم، وكذلك أصح كتب أهل السنة والجماعة وعلى رأسها "صحيح مسلم"، يثبتان جواز الجمع واشتراك الأوقات بوضوح تام. وبما أن المنهج العلمي يقتضي استخدام "قاعدة الإلزام" (إلزام المخالف بما ألزم به نفسه من صحاح كتبه وتفاسيره)، نستعرض الأدلة في النقاط التالية:
أولاً: الدليل القرآني على اشتراك الأوقات (بشهادة كبار المفسرين) حينما شرّع القرآن الكريم أوقات الصلاة، لم يُفرد كل صلاة بوقت مستقل يقطع اتصالها بما بعدها، بل حددها في ثلاثة أوقات رئيسية تشمل الصلوات الخمس، مما يدل دلالة واضحة على "اشتراك الوقت" بين الظهرين، وبين العشاءين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾[1]. أقر الإمام الفخر الرازي (من كبار مفسري أهل السنة) بأن هذه الآية تقتضي جواز الجمع، حيث قال: "فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة... كان الزوال وقتاً للظهر والعصر، فكان هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وكان أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فكان هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مطلقاً"[2].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾[3]. عند العودة إلى أمهات كتب التفسير المعتمدة عند أهل السنة (كتفسير الطبري والقرطبي)، نجد أنهم يفسرون هذه الآية بطريقة تجمع "الظهر والعصر" معاً، و"المغرب والعشاء" معاً. فقد أخرج الإمام الطبري، ونقل الإمام القرطبي عن الحسن البصري وحبر الأمة ابن عباس أن تقسيم الأوقات في الآية هو كالتالي:
الطرف الأول للنهار: هو صلاة الفجر (الصبح).
الطرف الثاني للنهار: هما صلاتا الظهر والعصر معاً.
زُلَفاً من الليل: (وهي الساعات القريبة من النهار) وهما صلاتا المغرب والعشاء معاً[4][5]. وهذا التقسيم القرآني يتطابق تماماً مع فقه أهل البيت (عليهم السلام) في القول باشتراك الأوقات، مما يجعل الجمع بينها جائزاً وموافقاً لكتاب الله.
ثالثاً: أدلة جواز الجمع بلا عذر من صحاح السنة لقد أورد الإمام مسلم في صحيحه باباً كاملاً أسماه: (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر)، وساق فيه عدة أحاديث صريحة تنفي وجود أي عذر للجمع، نذكر منها:
الجمع من غير خوف ولا سفر: أخرج مسلم عن ابن عباس قال: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر وفي رواية ولا سفر)[6]. والحديث ينفي صراحة الأعذار المبررة للجمع في الفقه السني، ومع ذلك جمع النبي ﷺ.
الصلاة سبعاً وثمانياً: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: (صلى النبي ﷺ بالمدينة سبعاً وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)[7].
حادثة خطبة ابن عباس: روى مسلم عن عبد الله بن شقيق العقيلي أن ابن عباس خطب يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم (أي دخل وقت العشاء)، فجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة. فجاء رجل يلح ويقول: الصلاة، الصلاة. فقال له ابن عباس غاضباً: (لا أُمّ لك! أتعلمنا بالسنة؟ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء). ولما استنكر الراوي هذا الأمر ذهب إلى أبي هريرة وسأله عن ذلك، فصدّق أبو هريرة مقالة ابن عباس[8].
رابعاً: العلة التشريعية للجمع (رفع الحرج) لماذا جمع النبي ﷺ بين الصلاتين في الحضر بلا عذر؟ يجيب ابن عباس في أحاديث "صحيح مسلم" بقوله نصاً: (كي لا يُحرج أمته)[9]. فالعلة هي التوسعة ورفع المشقة عن المسلمين في حياتهم اليومية، فالدين يسر.
خامساً: اعتراف الترمذي وتهافت التأويلات السنية أمام صراحة هذه الأحاديث وصحتها، اعترف الإمام الترمذي بأن علماء المذاهب تركوا العمل بهذا الحديث الصحيح بلا حجة، حيث قال نصاً في كتابه العلل: «جميعُ ما في هذا الكتابِ مِنَ الحديثِ معمولٌ بهِ، وقد أخذَ بهِ بعضُ أهلِ العلمِ، ما خلا حديثينِ: حديثَ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بالمدينةِ، والمغربِ والعشاءِ، من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ، وحديثَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّهُ قال: إذا شربَ الخمرَ فاجلدوهُ، فإن عادَ في الرابعةِ فاقتلوهُ»[10].
وللتخلص من إشكالية مخالفة فعل النبي ﷺ، حاول بعضهم تأويل الحديث، وقد أثبت الإمام النووي (شارح صحيح مسلم) بطلان وضعف معظم هذه التأويلات[11]:
تأويل المطر أو الغيم: باطل؛ لأن الرواية صرحت (في غير خوف ولا مطر)، ولأن الغيم يجعل الدنيا مظلمة فيُعجّل الصلاة، بينما الحديث يثبت الجمع بين المغرب والعشاء أيضاً.
الجمع الصوري (تأخير الظهر لأول العصر): باطل ومخالف لظاهر الأحاديث، ويرده تأخير ابن عباس للصلاة حتى غابت الشمس وبدت النجوم.
تأويل المرض: باطل؛ لأن ابن عباس لم يكن مريضاً حين خطب لساعات متواصلة ثم جمع.
سادساً: القراءة الصحيحة للجمع عند أهل البيت في الفقه الجعفري، الأصل هو جواز الجمع بين الظهرين والعشاءين تخفيفاً[12]. ولكن النبي ﷺ كان يُفرق بينهما ليُصلي النوافل. فالتفريق بين الصلاتين مستحب لمن أراد الإتيان بالنوافل اليومية واستغلال الوقت في العبادة، أما من كان في شغل أو لم يرد الإتيان بالنوافل، فله أن يجمع بين الصلاتين مباشرة كما فعل النبي ﷺ رفعاً للحرج عن أمته.
الهوامش والمصادر:
[1] القرآن الكريم، سورة الإسراء: الآية 78. [2]
التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، للإمام فخر الدين الرازي، تفسير سورة الإسراء آية 78، (المسألة الثالثة في أوقات الصلاة).
[3] القرآن الكريم، سورة هود: الآية 114.
[4] جامع البيان في تأويل القرآن (تفسير الطبري)، للإمام محمد بن جرير الطبري، في تفسيره لقوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار).
[5] الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، للإمام القرطبي، في تفسير الآية 114 من سورة هود، نقلاً عن الحسن البصري وابن عباس.
[6] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
[7] صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
[8] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، حديث عبد الله بن شقيق العقيلي.
[9] صحيح مسلم، المصدر السابق نفسه.
[10] سنن الترمذي (الجامع الكبير)، للإمام الترمذي، "كتاب العلل" الملحق في آخر الجامع.
[11] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (شرح النووي على مسلم)، للإمام النووي، في مناقشته وردّه لتأويلات أحاديث باب الجمع في الحضر.
[12] يُنظر: "من لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق، و"تهذيب الأحكام" للشيخ الطوسي (روايات صحيحة عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام في جواز الجمع في الحضر من غير علة).