الرد القاطع على من زعم أن البكاء على الإمام الحسين بدعة
(أدلة من الصحاح وتاريخ الغرب)
الرد القاطع على من زعم أن البكاء على الإمام الحسين بدعة
(أدلة من الصحاح وتاريخ الغرب)
تتكرر في كل عام شبهة يطرحها البعض زاعمين أن البكاء وإظهار الحزن والتفجع على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) هو "بدعة" لم يشرعها الدين. والمتأمل في كتب السيرة والمسانيد المعتمدة عند أهل السنة والجماعة يجد أن هذه الشبهة تتهافت تماماً أمام النصوص الصحيحة؛ والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أول من بكى وأقام مأتماً على الحسين هو جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
نستعرض الأدلة بنصوصها الكاملة من أصح مصادر أهل السنة، معززة بشهادة التاريخ العالمي:
أولاً: بكاء النبي (ص) في حياته (أدلة الإخبار المُسبق بالنص الكامل)
1. رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومَلَك الوحي: روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، أنه سار مع علي، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: «اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات»، قلت: وما ذاك؟ قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك إلى أن أشمك من تربته؟ قال: قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا»[1].
من صحح الرواية: صححها الألباني في (السلسلة الصحيحة)، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رجاله ثقات.
2. رواية عائشة وأم سلمة (رضي الله عنهما): روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة أو أم سلمة، قال وكيع: أشك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لإحداهما: «لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: فأخرج إليه تربة حمراء»[2].
من صحح الرواية: صححها محقق الكتاب (وصي الله بن محمد عباس)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
3. رواية أنس بن مالك ومَلَك القَطْر (المطر): روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس بن مالك قال: «استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له، وكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أم سلمة احفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد". فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي، فاقتحم ففتح الباب، فدخل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلتزمه ويقبله، فقال الملك: أتحبه؟ قال: "نعم"، قال: "إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه". قال: "نعم". فقبض قبضة من المكان الذي قتل فيه، فأراه إياه، فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: فكنا نقول إنها كربلاء»[3].
من صحح الرواية: حسنها محقق المسند (حسين سليم أسد)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
ثانياً: تفجّع النبي (ص) وبكاؤه يوم عاشوراء (النص الكامل)
1. رؤيا ابن عباس يوم عاشوراء: روى الحاكم النيسابوري والإمام أحمد عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بنصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئا، قال: قلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه، لم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل ذلك اليوم»[4].
من صحح الرواية: صححها الحاكم النيسابوري (على شرط مسلم) ووافقه الإمام الذهبي، وصححها الألباني.
2. حديث القارورة لأم سلمة (التي سالت دماً عبيطاً): روى الطبراني في المعجم الكبير، والبزار في مسنده، عن عبدة بنت أبي شوال عن أم سلمة قالت: «دخل إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اجلسي بالباب ولا تدعي أحداً يدخل علي، فجاء الحسين فاقتحم الباب فدخل، فجعل يثب على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم... فقال النبي: يا أم سلمة، هذا تراب مقتل الحسين، فإذا صار دماً عبيطاً فاعلمي أنه قد قُتل. قالت: فجعلته في قارورة، فكنت أنظر إليه كل يوم وأقول: إن يوماً تصير فيه دماً ليوم عظيم. فلما قُتل الحسين غدت القارورة وهي دم عبيط تفور»[5].
من صحح الرواية: قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه الطبراني بأسانيد، والبزار، ورجال أحدهما ثقات.
ثالثاً: بكاء الكون والجمادات والجن بالنص الكامل (من كتب السنة)
1. بكاء السماء وكسوف الشمس: روى الطبراني في المعجم الكبير عن أبي قبيل قال: «لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما انكسفت الشمس كسفة بَدَتِ الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها القيامة»[6].
من صحح الرواية: حسنها الهيثمي في (مجمع الزوائد).
2. بكاء الأرض دماً (دم عبيط تحت الحصى): روى الطبراني عن الإمام الزهري قال: «قال لي عبد الملك: أي واحد أنت إن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين بن علي؟ فقال: قلت: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلا وُجد تحتها دم عبيط». وفي رواية أخرى للطبراني: «ما رُفعت حصاة بالشام يوم قتل الحسين بن علي إلا وجد تحتها دم عبيط»[7].
من صحح الرواية: صححها الهيثمي (رجاله رجال الصحيح).
3. نوح الجن وبكاؤهم: روى الطبراني عن أم المؤمنين أم سلمة قالت: «سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي»[8].
من صحح الرواية: صححها الهيثمي (رجاله رجال الصحيح).
رابعاً: شهادة التاريخ العالمي (الوثائق البريطانية القديمة)
المذهل أن ظاهرة التغير الكوني وظهور الدم لم تُسجل في المصادر الإسلامية فحسب، بل وثقتها السجلات التاريخية الغربية المستقلة. ففي "الحوليات الأنجلو-ساكسونية" (The Anglo-Saxon Chronicle) - وهي من أقدم وأهم المصادر لتاريخ إنجلترا القديم - ورد توثيق لحدث كوني مرعب.
ومن الأهمية الإشارة إلى التوافق الزمني؛ فواقعة الطف حدثت سنة 61 هـ (الموافق لعام 680 م)، وهو نفس العقد الزمني الذي وثّقت فيه الحوليات البريطانية ظاهرة هطول الدم، وتحديداً في مدونات عام 685 م (مع مراعاة طبيعة التدوين الغربي القديم للظواهر الكبرى)، مما يعكس تطابقاً مذهلاً في رصد هذه الظاهرة الكونية غير المسبوقة.
جاء في الحوليات لعام 685 ميلادي: "في هذا العام، أمطرت السماء دماً في بريطانيا، وتحول الحليب والزبدة إلى دم"[9]. (النص الأصلي: In this year there was a bloody rain in Britain. And milk and butter were turned to blood).
وهذا يتطابق بشكل حرفي مع الروايات الإسلامية السنية والشيعية التي أكدت هطول الدم وتفجره من تحت الحصى في كل مكان.
الخلاصة: إذا كانت صحاح المسلمين تُثبت أن رسول الله (ص) فاضت عيناه وبكى، وتفجع وكان "أشعث أغبر" حزناً على الحسين، وإذا كانت أم المؤمنين أم سلمة قد احتفظت بقارورة تفجرت دماً عبيطاً يوم عاشوراء، وإذا كانت كتب الحديث السنية والوثائق البريطانية المستقلة تُثبت أن السماء انكسفت وأمطرت دماً، والأرض تفجرت بالدم، والجن ناحت؛ فبأي منطق يُحكم على إنسان مسلم يبكي حزناً على سبط نبيه بأنه "مبتدع"؟! إن البكاء على الحسين (ع) هو مواساة لرسول الله (ص)، وتناغم مع الكون الذي حزن لقتله.
المصادر والهوامش المعتمدة:
[1] مسند الإمام أحمد بن حنبل: (ج 1، ص 146، برقم 648)، تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/187)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (برقم 1171).
[2] فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل: (ج 2، ص 780، برقم 1380)، تحقيق وصي الله عباس. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/188).
[3] مسند أبي يعلى الموصلي: (ج 6، ص 129، برقم 3402)، تحقيق حسين سليم أسد. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/187).
[4] المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: (ج 4، ص 398، حديث رقم 8201)، كتاب تعبير الرؤيا. وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (ج 4، ص 142، برقم 2165).
[5] المعجم الكبير للطبراني: (ج 3، ص 108، برقم 2817). ومسند البزار: (ج 3، ص 101). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/189).
[6] المعجم الكبير للطبراني: (ج 3، ص 114، برقم 2838). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/197).
[7] المعجم الكبير للطبراني: (ج 3، ص 113، برقم 2834 و 2835). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/196).
[8] المعجم الكبير للطبراني: (ج 3، ص 122، برقم 2862). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/199).
[9] الحوليات الأنجلو-ساكسونية (The Anglo-Saxon Chronicle): ترجمة وتدقيق جيمس إنجرام (James Ingram)، أحداث عام 685 ميلادي. (مخطوطات تاريخية كُتبت باللغة الإنجليزية القديمة توثق تاريخ الأنجلو-ساكسون).