الرد على شبهة السجود على التربة: (الخُمرة) وتُرْبَة كَرْبَلاء في صحاح السنة
الرد على شبهة السجود على التربة: (الخُمرة) وتُرْبَة كَرْبَلاء في صحاح السنة
مقدمة وتساؤلات: من أبرز الشبهات التي يُرمى بها أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هي اتهامهم بالابتداع لالتزامهم بالسجود على "التربة الحسينية" أو قطع الطين المحروق، ورفضهم السجود على السجاد الحديث والمفروشات الصناعية. ويُطرح التساؤل دائماً: لماذا تسجدون على حجر؟ أليس هذا من البدع؟ وما هو الدليل على تخصيص الأرض وما ينبت منها للسجود؟ ولماذا تختارون تربة كربلاء بالذات؟ وللإجابة على ذلك، نفتح أصح كتب الحديث عند أهل السنة لنكتشف مفاجأة كبرى: إن السجود على الأرض الخالصة، أو الطين، أو "الخُمرة" (المصنوعة من نبات الأرض) هو السُّنة النبوية القطعية، وأن حمل قطعة من الطين (التربة) للسجود عليها هو فعل كبار السلف!
إن مذهب الشيعة الإمامية يشترط في السجود أن يكون على "الأرض الخالصة" (كالتراب والرمل والحجر) أو "ما أنبتته الأرض" بشرط ألا يكون مأكولاً ولا ملبوساً (كأوراق الشجر وسعف النخيل والخشب). وبما أن المساجد اليوم مفروشة بالسجاد المصنوع من خيوط صناعية أو صوف وحرير (وهو مما يُلبس)، فإن الشيعي يحمل معه قطعة طاهرة من الأرض (التربة) ليُحقق شرط السجود الصحيح.
ولإلزام المخالفين من أصح كتبهم، نستعرض الأدلة بنصوصها الكاملة:
أولاً: القاعدة النبوية الكبرى (حصر السجود في الأرض)
1. حديث جعل الأرض مسجداً: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي... وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»[1].
وجه الإلزام: النبي ﷺ حصر التيمم والسجود (المسجد) في "الأرض" بطبيعتها. وكما لا يجوز التيمم بالسجاد والقماش، لا يصح السجود عليهما في الأصل إلا لضرورة.
ثانياً: سجود النبي (ص) على "الخُمرة" (نبات الأرض)
(الخُمرة: هي حصيرة صغيرة تُصنع من سعف النخيل، أي أنها جزء من نبات الأرض الذي لا يُؤكل ولا يُلبس، وهو تماماً ما يجوّز الشيعة السجود عليه).
1. رواية أم المؤمنين ميمونة (رضي الله عنها): روى البخاري ومسلم عن ميمونة بنت الحارث قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ»[2].
2. رواية عبد الله بن عباس: روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ»[3].
وجه الإلزام: النبي ﷺ كان يتقصد وضع حصيرة صغيرة من سعف النخيل (مما نبت من الأرض) ليسجد عليها، ولم يكن يسجد على ثيابه أو عمامته أو الصوف. وهذا هو بالضبط أصل "التربة" أو السجادة الخوصية التي يستخدمها الشيعة.
ثالثاً: إصرار النبي (ص) على السجود على الطين والتراب
1. سجود النبي على الطين والماء: روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري في حديث اعتكاف النبي ﷺ في رمضان ونزول المطر، قال: «فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ... فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ»[4].
وجه الإلزام: لو كان السجود على القماش والعمامة جائزاً في الوضع الطبيعي، لمسح النبي جبهته أو سجد على طرف ثوبه ليتقي الطين، لكنه أصرّ على ملامسة جبهته الشريفة للأرض الخالصة (الطين) تحقيقاً لكمال العبودية والتذلل لله.
2. رفض النبي شكوى الصحابة من حرارة الأرض: روى الإمام البيهقي في السنن الكبرى، وابن حبان في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» (أي لم يستجب لشكوانا ولم يرخّص لنا السجود على الثياب)[5].
رابعاً: حمل السلف لـ "لِبْنَة" (قطعة طين/تربة) في السفر
من أعظم الأدلة التي تقصم ظهر الشبهة وتلزم المخالف، هي أن كبار التابعين والسلف عند أهل السنة كانوا يستصحبون معهم قطعاً من الطين (تشبه التربة الحسينية تماماً) للسجود عليها إذا خافوا عدم توفر الأرض الطاهرة!
1. فعل التابعي الجليل مسروق بن الأجدع (تلميذ كبار الصحابة): روى الإمام ابن أبي شيبة في كتابه (المصنف) بسند صحيح عن محمد بن سيرين: «أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ إِذَا رَكِبَ السَّفِينَةَ حَمَلَ مَعَهُ لِبْنَةً يَسْجُدُ عَلَيْهَا»[6]. (واللِبْنَة: هي قطعة مربعة من الطين المحروق أو المدر، وهي تتطابق في وصفها وحجمها مع التربة الحسينية التي يحملها الشيعي في جيبه اليوم).
2. تبريد الصحابة للحصى للسجود عليها: روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: «كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي، أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ»[7].
وجه الإلزام: الصحابي جابر كان يُبرد الحصى في يده ليضعها ويسجد عليها، ولو كان السجود على الثياب والسجاد جائزاً، لكان أسهل عليه من إمساك الحصى الحارة وتبريدها!
خامساً: لماذا (تربة كربلاء) بالذات؟ (الجمع بين سُنة السجود وبركة التربة)
إذا كان السجود على الأرض، وحمل (اللِّبْنَة) من الطين سُنةً ثابتة عن كبار السلف كما أسلفنا، فإن اختيار الشيعة لـ "التربة الحسينية" (تربة كربلاء) بالذات ليس واجباً فقهياً لا يصح السجود إلا به، بل هو من باب "الاستحباب والتبرك" بأطهر بقاع الأرض. وهذا التبرك له أصل نبوي قطعي من وجهين:
1. النبي (ص) أول مَن شمَّ تربة كربلاء واحتفظ بها: أثبتت الصحاح السنية أن النبي ﷺ هو أول من أمسك بتربة كربلاء، وشمّها، وبكى عليها، وأمر بحفظها. ففي مسند الإمام أحمد بسند صححه الألباني، أن النبي ﷺ قال لعلي (عليه السلام): «هل لك إلى أن أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟ قال: قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها»[8]. كما ثبت في المعجم الكبير للطبراني أن أم المؤمنين أم سلمة قد احتفظت بهذه التربة، حيث قالت: «فَجَعَلْتُهُ فِي قَارُورَةٍ، فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ»[9].
وجه الإلزام: إذا كان رسول الله ﷺ قد احتفى بهذه التربة وشمّها وبكى عليها، وإذا كانت أم المؤمنين قد احتفظت بها في بيتها تقديراً لها، فكيف يُلام الشيعي إذا صنع منها (لِبْنَةً) طاهرة ليسجد لله عليها متأسياً بنبيه؟!
2. مشروعية التبرك والاستشفاء بالتربة الطاهرة: روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان، يضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول: «بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا»[10].
وجه الإلزام: أقرّ شُرّاح الحديث (كالنووي وابن حجر) أن هذا الحديث يدل على بركة "تربة المدينة المنورة". فإذا جاز التبرك والاستشفاء بتربة المدينة، فمن باب أولى وأعظم جواز التبرك بـ "تربة كربلاء" التي شمّها النبي ﷺ وامتزجت بدم سبطه وسيد شباب أهل الجنة.
الخلاصة: بناءً على ما تقدم من أصح المسانيد السنية؛ فإن السجود لا يصح إلا على الأرض وما أنبتت، وأن النبي ﷺ كان يتخذ "الخُمرة" للسجود. بل إن كبار السلف كـ "مسروق" كانوا يحملون معهم "اللّبنة" (قطعة الطين) في أسفارهم ليسجدوا عليها.
أما الشيعة الإمامية، فهم لم يبتدعوا شيئاً، بل التزموا بالسنة النبوية الأصلية برفض السجود على المنسوجات والأقمشة الحديثة، واختاروا أن يصنعوا (لِبْنَتَهُم) الطاهرة من تربة كربلاء بالذات؛ ليجمعوا بذلك بين سُنتين عظيمتين: الأولى: سُنة السجود على الأرض الخالصة. والثانية: سُنة التبرك والاحتفاء بتربة كربلاء التي أسسها رسول الله ﷺ حين أخذها وشمّها واحتفظت بها أم سلمة. فهل الجمع بين سُنتين ثابتتين في الصحاح يُعد بدعة، والسجود على (النايلون والبوليستر) يُعد سُنة؟!
المصادر والهوامش المعتمدة:
[1] صحيح البخاري: كتاب التيمم، باب (قول النبي ﷺ جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، حديث رقم (335). وصحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (521).
[2] صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب (الصلاة على الخُمرة)، حديث رقم (381). وصحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (513).
[3] مسند الإمام أحمد بن حنبل: (ج 3، ص 414، برقم 2311). وصحح إسناده أحمد شاكر وشعيب الأرنؤوط.
[4] صحيح البخاري: كتاب الأذان، باب (السجود على الأنف وفي الطين)، حديث رقم (813).
[5] السنن الكبرى للبيهقي: (ج 2، ص 105). وصحيح ابن حبان: (ج 4، ص 599)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[6] المصنف لابن أبي شيبة: كتاب الصلاة، باب (مَن كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ)، (ج 2، ص 172، حديث رقم 7806). وإسناده صحيح.
[7] مسند الإمام أحمد بن حنبل: (ج 22، ص 241، برقم 14352)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. وذكره أبو داود في سننه (برقم 399).
[8] مسند الإمام أحمد بن حنبل: (ج 1، ص 146، برقم 648). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (برقم 1171).
[9] المعجم الكبير للطبراني: (ج 3، ص 108، برقم 2817). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/189): رواه الطبراني بأسانيد، والبزار، ورجال أحدهما ثقات.
[10] صحيح البخاري: كتاب الطب، باب (رُقْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ)، حديث رقم (5745). وصحيح مسلم: كتاب السلام، باب (اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالنَّمْلَةِ وَالْحُمَةِ وَالنَّظْرَةِ)، حديث رقم (2194).