الرد على شبهة تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
الرد على شبهة تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
في كل عام، وبالتزامن مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف، تتعالى بعض الأصوات من فئة قليلة تطلق شبهة تحريم الاحتفال وتصفه بـ "البدعة والضلالة". والمتأمل في واقع الأمة الإسلامية يدرك أن هذا الموقف يمثل شذوذاً عن الإجماع العملي والتاريخي لعموم المسلمين؛ فنحن في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا نرى أي إشكال في مشروعية هذا الاحتفال بل نعدّه من أعظم القربات، كما أن السواد الأعظم من إخواننا أهل السنة والمؤسسات الدينية الكبرى في معظم الدول الإسلامية يشاركوننا هذا الرأي ويحتفون بهذه الذكرى العظيمة.
وبما أن هذه الفئة القليلة المعترضة تنطلق في شبهاتها من التراث السني حصراً، فإن المنهج العلمي الأقوى والأبلغ في الرد عليهم ليس استعراض أدلتنا الخاصة، بل تطبيق "قاعدة الإلزام" (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم). لذا، سنجيب على إشكالية "البدعة" ونفندها من خلال النقاط التالية، مستندين بشكل كامل إلى أصح المصادر الحديثية عند أهل السنة والجماعة وأقوال كبار أئمتهم:
أولاً: الأمر القرآني بالفرح برحمة الله
إن الاحتفال بالمولد في جوهره هو تعبير عن الفرح بقدوم النبي ﷺ. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالفرح بفضله ورحمته، فقال عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[1]. وإذا بحثنا في القرآن الكريم عن أعظم رحمة تجلت للبشرية، نجد الجواب في قوله تعالى مخاطباً نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[2]. فالنبي ﷺ هو الرحمة المهداة، والفرح بيوم مولده هو امتثال صريح للأمر الإلهي بالفرح بهذه الرحمة[3].
ثانياً: تحرير المفهوم الخاطئ لمصطلح "البدعة"
يردد البعض أن "كل ما لم يفعله النبي فهو بدعة محرمة". هذا التعريف غير منضبط وباطل عقلاً ونقلاً؛ فلو كان يُقصد بالبدعة كل شيء لم يكن موجوداً في زمن النبي ﷺ وصحابته والتابعين، لكان استخدام مكبرات الصوت في المساجد بدعة! ولكانت السيارات، والتلفزيونات، والفضائيات، بل وحتى تنقيط المصحف وتشكيله بدعة محرمة. إن البدعة المحرمة شرعاً هي إحداث ما يخالف أصول الشريعة، أما ما يندرج تحت أصولها ويخدم مقاصدها فهو محمود ومقبول[4].
ثالثاً: مشروعية "السنة الحسنة" في الإسلام
أقر الإسلام مبدأ إحداث أمور خيرة طالما أنها لا تخالف الشريعة ولها أصل في الدين، وهو ما يُعرف بـ "البدعة الحسنة" أو "السنة الحسنة". وقد ورد هذا الأصل صراحة في السنة النبوية؛ حيث قال رسول الله ﷺ: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ)[5]. وبالتالي، فإن إقامة مجالس لذكر سيرة النبي ﷺ، والصدقة، وإطعام الطعام في يوم مولده تندرج تحت هذا الحديث، لأن أصلها ثابت ومندوب إليه في الدين.
رابعاً: الأصل النبوي للاحتفاء بيوم الميلاد
الاحتفاء بيوم المولد ليس أمراً مُخترعاً بالكلية، بل له أصل فعله النبي ﷺ بنفسه؛ فقد كان يحرص على صيام يوم الإثنين، وحين سُئل عن تخصيصه لهذا اليوم بالصيام، ربط ذلك صراحة بيوم مولده قائلاً: (ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ -)[6]. فإذا كان النبي ﷺ قد احتفى بيوم مولده بالصيام شكراً لله، فإن إظهار الشكر والفرح في هذا اليوم له أصل نبوي صحيح.
خامساً: القداسة القرآنية ليوم الولادة
أعطى القرآن الكريم ليوم الولادة قداسة واهتماماً خاصاً لكونه يوم منّة ونعمة. وقد تجلى ذلك في قصة نبي الله عيسى عليه السلام، حيث قال تعالى على لسانه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾[7]. فذكر يوم الولادة وتكريمه هو منهج وسُنة قرآنية.
سادساً: قراءة قصة المولد منهج قرآني
من يعترض على اجتماع المسلمين لقراءة قصة "المولد النبوي" وسماع تفاصيل ولادته، يغفل عن أن القرآن الكريم ذاته قد قصّ علينا تفاصيل قصة "مولد" نبي الله عيسى عليه السلام في سورة مريم[8]. فنحن نقرأ تفاصيل ولادته، وكيف حملت به أمه، وماذا جرى وقت المخاض في كل مرة نتلو فيها هذه السورة. فلو كانت قراءة سرد تفاصيل مولد الأنبياء بدعة أو أمراً مذموماً، لما خلّد الله عز وجل تفاصيل مولد عيسى عليه السلام في القرآن الكريم ليُتعبد بتلاوتها؛ فكيف لا نتعبد لله بقراءة سيرة ومولد سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ؟
خلاصة القول
إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ليس إحداثاً في الدين ولا بدعة ضلالة، بل هو تعظيم لشعائر الله، وشكر لنعمته، وتطبيق صريح للأمر بالفرح برحمته. وهو وسيلة مباركة لربط الأجيال بسيرة نبيهم وتجديد العهد بمحبته واتباع سنته.
الهوامش والمصادر
[1] القرآن الكريم، سورة يونس: الآية 58.
[2] القرآن الكريم، سورة الأنبياء: الآية 107.
[3] أخرج أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/ 206)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية قوله: (فضل الله: العلم، ورحمته: محمد صلى الله عليه وسلم).
[4] يُراجع في تقسيم البدعة إلى (محمودة ومذمومة) كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه، كما نقله الحافظ البيهقي في "مناقب الشافعي" (1/ 469)، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (13/ 253)، والإمام النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (3/ 22).
[5] صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، حديث رقم (1017)، عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
[6] صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس، حديث رقم (1162)، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
[7] القرآن الكريم، سورة مريم: الآية 33.
[8] القرآن الكريم، سورة مريم: الآيات من 16 إلى 33، والتي تسرد تفاصيل الحمل والمخاض وميلاد المسيح عليه السلام.